عبد الرحمن السهيلي
227
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
وذكر قوله صلى الله عليه وسلم : إن ينج زيد من حمى المدينة . أسماء الحمى قال الراوي : ولم يسمها باسمها الحمى ، ولا أم ملدم ، سماها باسم آخر ذهب عني ، والاسم الذي ذهب عن الراوي من أسماء الحمى ، هو أم كلبة ، ذكر لي أن أبا عبيدة ذكره في مقاتل الفرسان ، ولم أره ، ولكن رأيت البكري ذكره في باب أفرده من أسماء البلاد ، ولها أيضاً اسم سوى هذه الأسماء ذكره ابن دريد في الجمهر ، قال : سباط ، من أسماء الحمى على وزن رقاش ، وأما أم ملدم ، فيقال : بالدال ، وبالذال وبكسر الميم وفتحها ، وهو من اللدم وهو شدة الضرب ، ويحتمل أن يكون أم كلبة هذا الاسم مغيراً من كلبة بضم الكاف ، والكلبة شدة الرعدة ، وكلب البرد شدائده ، فهذه أم كلبة بالهاء ، وهي الحمى ، وأما أم كلب ، فشجرة لها نور حسن ، وهي إذا حركت أنتن شيء ، وزعم أبو حنيفة أن الغنم إذا مستها لم تستطع أن تقرب الغنم ليلتها تلك من شدة إنتانها . خبر زيد في رواية أخرى وذكر في خبر زيد الخيل في رواية أبي علي البغدادي ما هذا نصه : خرج نفر من طيئ يريدون النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة وفوداً ، ومعهم زيد الخيل ، ووزر بن سدوس النبهاني وقبيصة بن الأسود بن عامر بن جوين الجرمي ، وهو النصراني ، ومالك بن عبد الله بن خيبري بن أفلت بن سلسلة وقعين بن خليف الطريفي رجل من جديلة ، ثم من بني بولان ، فعقلوا رواحلهم بفناء المسجد ، ودخلوا ، فجلسوا قريباً من النبي صلى الله عليه وسلم حيث يسمعون صوته ، فلما نظر النبي صلى الله عليه وسلم إليهم ، قال : إني خير لكم من العزى ، ولاتها ، ومن الجمل الأسود الذي تعبدون من دون الله ، ومما حازت مناع ، من كل ضار غير نفاع ، فقام زيد الخيل ، فكان من أعظمهم خلقاً وأحسنهم وجهاً وشعراً ، وكان يركب الفرس العظيم الطويل فتخط رجلاه في الأرض كأنه حمار ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم وهو لا يعرفه : الحمد لله الذي أتى بك من سهلك وحزنك ، وسهل قلبك للإيمان ، ثم قبض على يده ، فقال : من أنت ؟ فقال : أنا زيد الخيل بن مهلهل ، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله ، وأنك عبد الله ورسوله ، فقال له : بل أنت زيد الخير ، ثم قال : يا زيد ما خبرت عن رجل شيئاً قط إلا رأيته دون ما خبرت عنه غيرك ، فبايعه ، وحسن إسلامه ، وكتب له كتاباً على ما أراد ، وأطعمه قرىً كثيرةً ، منها : فيد ، وكتب لكل واحد منهم على قومه إلا وزر بن سدوس ، فقال : إني لأرى رجلاً ليملكن رقاب العرب ، ولا والله لا يملك رقبتي عربي أبداً ، ثم لحق بالشام ، وتنصر وحلق رأسه ، فلما قام زيد من عند النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : أي فتى لم تدركه أم كلبة ، يعني : الحمى ، ويقال : بل قال : إن نجا من آجام المدينة ، فقال زيد حين انصرف : أُنيخت بآجام المدينة أربعاً * وعشراً يغنّي فوقها الليل طائر فلما قضت أصحابها كلّ بغيةٍ * وخطّ كتاباً في الصحيفة ساطر شددت عليها رحلها وشليلها * من الدّرس والشّعراء والبطن ضامر الدرس : الجرب . والشعراء : ذباب . قال أبو الحسن المدائني في حديثه : وأهدى زيد لرسول الله صلى الله عليه وسلم مخذوماً والرسوب ، وكانا سيفين لصنم بلى الفلس ، فلما انصرفوا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما قدم علي رجل من العرب يفضله قومه إلا رأيته دون ما يقال إلا ما كان من زيد ، فإن ينج زيد من حمى المدينة فلأمر ما هو . وقوله : ألا ربّ يومٍ لو مرضت لعادني * عوائد من لم يبر منهن يجهد وبعده : فليت الّلواتي عدنني لم يعدنني * وليت الّلواتي غبن عنّي شهّدي